الذكاء الاصطناعي في النشاط البحثي والأكاديمي – تعزيز كفاءة البحث

سلسلة مقالات: دور الذكاء الاصطناعي في النشاط البحثي والأكاديمي – المقال الثالث
تعزيز كفاءة البحث
تمهيد للسلسلة
استعرضنا في المقالين السابقين دور الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الضخمة والنماذج التنبؤية ودورها في توجيه القرارات الاقتصادية. في المقال الثالث من هذه السلسلة، سنناقش أحد الجوانب الحيوية التي أحدث فيها الذكاء الاصطناعي تطوّرًا نوعيًا، وهو تعزيز كفاءة البحث. فعبر تسخير أدوات الذكاء الاصطناعي لتسريع جمع البيانات وتنظيفها وتحليلها، يتفرّغ الباحثون للتركيز على مهارات التفكير النقدي والإبداع، ما يرفع القيمة العلمية للدراسات والبحوث الاقتصادية.
أولًا: مفهوم تعزيز كفاءة البحث
تشمل كفاءة البحث مجموعة من الأنشطة التي يؤدّيها الباحث منذ الشروع بتحديد مشكلة البحث حتى الوصول إلى النتائج النهائية وتفسيرها. وتتفرع هذه الأنشطة إلى:
- جمع البيانات من مصادر مختلفة.
- تنظيم البيانات وتصنيفها وتنظيفها من الأخطاء أو القيم الشاذة.
- إجراء التحليلات اللازمة ومقارنة النتائج بالدراسات السابقة.
- صياغة الاستنتاجات وكتابة التوصيات.
ومن خلال تقنيات الذكاء الاصطناعي، بات بالإمكان أتمتة الكثير من المهام الروتينية، مما يوفر وقتًا وجهدًا كبيرين للباحث، ويسمح بتوجيه المزيد من التركيز نحو التفكير الابتكاري.
ثانيًا: الذكاء الاصطناعي في خدمة جمع وتحليل البيانات
1. أتمتة عمليات جمع البيانات
تستخدم الأدوات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي خوارزميات متقدمة للبحث داخل قواعد البيانات المتخصصة، والمواقع الإلكترونية، وسجلات المؤسسات الدولية (مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي). وتشمل هذه المزايا:
- الوصول إلى مصادر متعدّدة: إذ يمكن ربط الباحث بمنصّات مختلفة في آن واحد، بدلًا من الولوج اليدوي لكل مصدر.
- ترشيح المحتوى: تقوم الخوارزميات بتنظيم واختيار البيانات الأكثر صلة بموضوع البحث، ما يحمي من إهدار الوقت على المعلومات غير الضرورية.
2. تحليل النصوص والوثائق غير المهيكلة
تساعد تقنيات معالجة اللغات الطبيعية (NLP) في استخلاص المعلومات الكميّة والنوعيّة من المقالات الصحفية، والتقارير الأكاديمية، والمستندات غير المهيكلة. على سبيل المثال:
- التعرّف على الكيانات (Entity Recognition): مثل أسماء الدول والشركات والمؤسسات المالية في نص معيّن، وإجراء عمليات فرز وتصنيف لها.
- التنقيب عن الموضوعات (Topic Modeling): لمعرفة أكثر المواضيع تداولًا في مجموعة كبيرة من الأبحاث أو المقالات الاقتصادية، ما يوجّه الباحث نحو أبرز الاتجاهات العلمية.
3. التعرّف على العلاقات الإحصائية
توفّر منصّات التحليل المعتمدة على الذكاء الاصطناعي ملخّصات فورية للعلاقات المحتملة بين المتغيّرات الاقتصادية، مثل العلاقة بين معدلات البطالة والتضخّم، أو بين نسب الفائدة وأسعار الصرف. وبناءً على ذلك:
- التعرّف المبكر على الأنماط: تكشف الخوارزميات عن أنماط سلوكية أو ارتباطات كان يصعب اكتشافها يدويًا.
- تقليل الأخطاء البشرية: حيث تتم عمليات الحساب والإحصاء بصورة مؤتمتة ودقيقة.
ثالثًا: توفير الوقت والجهد للباحثين
1. التركيز على الإبداع والتفكير النقدي
حين تتولّى أدوات الذكاء الاصطناعي المهام الروتينية في جمع البيانات وتحليلها الأوّلي، يجد الباحث مساحة أوسع للتركيز على:
- صياغة فرضيّات جديدة: قد يتولّد لدى الباحث أسئلة نوعية وتوجهات بحثية مبتكرة عند رؤية نتائج مبدئية مستخلصة آليًا.
- تفسير النتائج بعمق: فبدلًا من الانشغال بتفاصيل إحصائية أو تقنية، يعمل الباحث على بناء الإطار النظري وتقديم التفسيرات والتحليلات المعمّقة للظواهر الاقتصادية.
2. تقليل الوقت اللازم لدورة البحث
يشير تقرير لمعهد MIT Sloan للإدارة (2021) إلى أنّ فرق العمل البحثية التي تعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي وفّرت أكثر من 30% من إجمالي الوقت المخصص لجمع وتحليل البيانات، مقارنة بالأساليب التقليدية.
كما أكّد استطلاع أجرته دورية Nature (2020) أنّ 40% من الباحثين في مجال الاقتصاد يرون في أدوات الذكاء الاصطناعي مكوّنًا أساسيًا أسهم بشكل كبير في تسريع وتسهيل عمليات التحليل الإحصائي المعقّد.
رابعًا: تعزيز جودة البحوث الاقتصادية
1. تحسين موثوقية النتائج
مع انخفاض نسبة الأخطاء البشرية، ترتفع موثوقية النتائج التي يتمّ التوصّل إليها. فالكثير من الأخطاء كانت تنجم عن التعامل اليدوي مع البيانات أو ضعف الموارد الإحصائية، مما قد يؤثر في دقة الدراسات الاقتصادية ويقود إلى استنتاجات خاطئة.
2. توسيع نطاق العيّنات
يساعد الذكاء الاصطناعي الباحثين على التعامل مع عيّنات ضخمة تفوق الإمكانات التي تتيحها البرمجيات التقليدية. ومن ثَمّ، يصبح التحليل أكثر شمولًا وتمثيلًا للواقع الاقتصادي، ما يعزّز من قوّة الدراسات واستدامتها في ضوء التغيّرات المستمرة بالأسواق.
3. فتح المجال للتخصّصات البينيّة
ساهم تسارع وتيرة التطوّر في أدوات الذكاء الاصطناعي في تشجيع التعاون بين خبراء الاقتصاد وعلماء الحاسوب والإحصاء، ما يولّد رؤية أشمل في تفسير الظواهر الاقتصادية المستجدة.
خامسًا: تحديات استخدام الذكاء الاصطناعي في تعزيز كفاءة البحث
- البنية التحتية التقنية: إذ يحتاج الباحثون إلى حواسيب قوية واتصال سريع بالإنترنت وتراخيص برمجيات متقدمة.
- تكلفة الاستثمار: قد تواجه بعض المؤسسات صعوبة في توفير الميزانيات اللازمة للتدريب على تقنيات الذكاء الاصطناعي وصيانتها.
- الأخلاقيات والخصوصية: تتمثل في ضرورة الالتزام بقوانين حماية البيانات ومنع الوصول غير المصرّح به إلى معلومات حسّاسة.
- التحيّز في المدخلات: إذا كانت البيانات غير متوازنة أو تخضع للتحيّز المسبق، فقد ينعكس ذلك على نماذج التحليل ويؤدي إلى استنتاجات مضلّلة.
خاتمة
لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي في البحث الاقتصادي على تسريع وتيرة جمع البيانات وتحليلها فحسب، بل يمتدّ إلى الارتقاء بجودة النتائج وإلهام الباحثين للتركيز على الجوانب الإبداعية والابتكارية. ومع تزايد الاعتماد على الحلول الرقمية في مجال الاقتصاد، من المتوقع أن يصبح الذكاء الاصطناعي أداةً قياسية في منظومة البحث العلمي، داعمًا تكامل التخصصات المختلفة ومحفّزًا لمزيدٍ من التعاون الدولي في مشروعات البحوث الكبرى.
في المقال الرابع من هذه السلسلة، سنتناول دور الذكاء الاصطناعي في دعم التعليم والتدريب بمجال الاقتصاد، وكيف تسهم أدواته في رفع كفاءة البرامج التعليمية وتطوير القدرات البشرية.
إعداد: المجلس الوطني المصري للتنافسية (ENCC)
السلسلة: الذكاء الاصطناعي في النشاط البحثي والأكاديمي – المقال الثالث
22 فبراير 2025 7:41 ص
برجاء ارسال التقارير الصادرة والمقالات الصادرة عن المجلس وما يخص الذكاء الاصطناعي
جزيل الشكر